ابن ميثم البحراني

356

شرح نهج البلاغة

وتردع أبصار البصائر عن إدراكها فترجع حسيرة متحيّرة واقفة عند حدودها وغاياتها من الإدراك . الخامس : أنشأهم على صور مختلفات . إلى قوله : عزّته . اختلاف صورهم كناية عن اختلافهم بالحقايق وتفاوت أقدارهم تفاوت مراتبهم في الكمال والقرب منه ولفظ الأجنحة مستعار لقواهم الَّتي بها حصلوا على المعارف الإلهيّة وتفاوتها بالزيادة والنقصان كما قال تعالى « الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأَرْضِ جاعِلِ » ( 1 ) كناية عن تفاوت إدراكهم لجلال اللَّه وعلومهم بما ينبغي له ولذلك جعل الأجنحة هي الَّتي تسبّح جلال عزّته فإنّ علمهم بجلاله منزّه عمّا لا ينبغي لكرم وجهه ولا يناسب جلال عزّته . السادس : لا ينتحلون إلى قوله : يعملون أي لا ينسون بعض مصنوعاته إلى قدرهم وإن كانوا وسايط فيها ولا يدّعون أنّهم يقدرون على شيء منها إلَّا بإقداره لهم ، بل غايتهم أنّهم وسائط في إفاضة الجود على مستحقّه وما لم يجعلهم وسائط فيه بل انفرد بذاته في إبداعه فلا يدّعون القدرة عليه أصلا وذلك لكمال معارفهم بأقدارهم ونسبتهم إلى بارئهم وقد أكرمهم اللَّه تعالى بالتقديس عن النفوس الأمّارة بالسوء الَّتي هي مبدء مخالفة أمره والخروج عن طاعته . السابع : جعلهم فيما هنا لك . إلى قوله : ونهيه أي في مقاماتهم من حضرة قدسه . وقد سبقت الإشارة إلى كلّ ذلك في الخطبة الأولى . الثامن : وعصمهم . إلى قوله : مرضاته منشأ الشكوك والشبهات والزيغ عن سبيل اللَّه هو معارضة النفس الأمّارة للعقل وجذبها له إلى طرق الباطل والملائكة مبرّؤون عنها فكانوا معصومين ممنوعين ممّا تقود إليه وتأمر به من الزيغ والانحراف عن قصد اللَّه . وإمدادهم بفوايد المعونة زيادتهم في كمالاتهم على غيرهم ودوام ذلك بدوام وجوده . التاسع : وأشعر قلوبهم تواضع إخبات السكينة استعار لفظ التواضع والاستكانة لحالهم من الاعتراف بذلّ الحاجة والإمكان إلى جوده والانقهار تحت عظمته : أي جعل ذلك الاعتراف شعارا لازما لذواتهم ، أو من الشعور وهو الإدراك .

--> ( 1 ) 35 - 1 .